2009/01/25

ما أروعك يا شعبي

.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
د.إبراهيم حمّامي

كعادة الطابور الخامس المهزوم عقلياً ونفسياً، يحاولون تجريد انتصار غزة من محتواه، يروجون لفكر الهزيمة بعد أن سحقتهم ثقافة المقاومة، يبنون حسابات النصر والهزيمة على أوهام الأرقام والخسائر المادية والبشرية، وهي الحسابات التي لو طبقوها على المواجهات السابقة لكانت معركة الكرامة عام 1968 وصمود بيروت عام 1982 أشر هزائم عرفناها على الاطلاق، لكن ودون الانجرار خلف ترهاتهم ومحاولاتهم لفرض هزيمة لا وجود لها إلا في عقولهم، وبعد ما اوضحناه ووثقناه في أكثر من مناسبة، والذي سنوثقه أيضاً بالصوت والصورة في الأيام القليلة القادمة - انتظرونا!-، نهنيء شعبنا وقيادته بالنصر المبين في معركة غزة الأسطورية رغماً عن أنوف الحاقدين.
شعبنا البطل يضرب أروع الأمثلة وأعظمها، ليس فقط في ميدان المعركة، بل حتى بعدها، وما شاهدناه وسمعناه خلال الأيام القليلة الماضية يفوق كل تصور، أطفال يتحدثون بعظمة الكبار، وكهول بنفس الشباب، ونساء مواقفهن أرجل من أشباه الرجال في محمية المقاطعة، واصرار لا يمل ولا يستكين على المقاومة والصمود والثبات، رغم كل محاولات التشويه المتعمد من قبل عملاء الاحتلال وأبواقهم.

نعم هذا ما ينقله لنا اليوم المراسلون من وسط الحطام والركام، أطفال عادوا للمدارس، وحملات تنظيف في خان يونس، ومسيرات دعم وتمسك بالقيادة في كل مكان، وتلاحم ووحدة وطنية حقيقية على الأرض وفي الميدان، مواقف كل منها درس ومدرسة للجميع، إلا من ارتضى أن يكون كشسع نعل كليب، بوقاً حاقداً سيسيل لعابه لما قد يصل من أموال لإعادة الاعمار، بعد أن فشل في العودة على ظهر دبابات الاحتلال كما وُعد وخاب فأله.

خلال فترة العدوان الغاشم، وخلال ملحمة النصر الغزي الفلسطيني المميز، كنت أتنقل من مكان لآخر، ألتقي مع أبناء الشعب البطل ومؤيديه من عرب وعجم، أشحذ الهمم، مؤكداً ومقسماً أننا منتصرون، وقد أجرى الله سبحانه وتعالى عبارة على لساني لم أكن قد أعددتها مسبقاً، لكنها خرجت وأنا أقف تعظيماً واكباراً للصامدين المرابطين من ابناء شعبنا في غزة لأقول: أطفالنا رجال، ورجالنا أبطال، وأبطالنا عظماء، وعظماؤنا تعانق هاماتهم السماء، نعم هذا هو شعب فلسطين.

تذكرت مواقف مماثلة، وما اشبه اليوم بالبارحة، تعلمنا ونتعلم من شعبنا البطل الدروس والعبر، كيف لا وهو شعلة الحق في زمن الظلم، تذكرت يومسجل شعبنا ملحمة مماثلة، ووجدت تطابقاً مثير مع درس اليوم، فهل من متعظ؟

اسمحوا لي أن أعيد نشر ما كتبته في تموز/يوليو 2006، يوم سجّل شعبنا درساً عظيماً، قارنو بين تلك الأيام وبين ملحمة نصر غزة اليوم، لتتيقنوا أن راية العز والفخار لم ولن تسقط، وأن العهد هو العهد، وأن الثوابت والمواقف لم ولن تتزحزح.

----------------------------------------------
حُق لك أن تفخر.. أنت فلسطيني

في 03/07/2006

هل استوعب الاحتلال الدرس؟ هل فهم العالم المعادلة؟ هل استفاق عباس وباقي الزمرة من غيبوبتهم ووهمهم؟ ربما! لكن الأكيد أن شعب فلسطين يضرب كل يوم أروع الأمثلة والدروس للعالم بأسره.
ثار العالم وتحركت قواه الظالمة العوراء من أصدقاء وأعداء فزعاً وجزعاً على جندي أسير كان يجلس في دبابته موجهاً مدفعها صوب أبناء شعبنا العزل ليطلق ويقتل وقتما شاء، وليسقط أبناء شعبنا شهداء وجرحى بالعشرات، تحرك العالم لإطلاق سراح مجرم حرب وقاتل محترف في جيش لا يوجد للأخلاق فيه مكان، وتحرك مع هؤلاء أبناء العمومة حرصاً على مصلحة الشعب الفلسطيني لإطلاق سراح المجرم أيضاً!
لم يسمع العالم أو يشاهد محمد الدرة وايمان حجو وهدى غالية وقبلهم وبعدهم الآلاف من الشهداء والجرحى الذين قتلهم بدم بارد أمثال المجرم الأسير، ولم تتحرك دول الجوار لوقف العدوان أو التدخل لتخفيفه، ولم يتردد عباس عن احتضان وتقبيل رئيس وزراء حكومة الاحتلال ودماء شهدائنا لا زالت طرية لم تجف بعد، لم يسمع العالم بكل ذلك ولم يسمع بأسرانا البواسل في سجون ومعتقلات الاحتلال.
بدأت أمطار الصيف تهطل والعالم يلوم الضحية لصالح الجزار السفاح، خُرقت كل قوانين وشرائع الكون فاستهدفت البنية التحتية في قطاع غزة بقصد تجويع وتعطيش الشعب الفلسطيني، اختطف ممثلو الشعب من وزراء ونواب، هددت القيادات بالتصفية، أقفلت كل الخطوط الهاتفية في وجه الضحية، ومن المفارقات أن من كشف ذلك هم رموز التفريط والمساومة والبيع من أمثال ياسر عبد ربه، وبدء أوكازيون عربي دولي في اعطاء المهل لتسليم المجرم الأسير.
هل خضع شعبنا؟ هل استكان؟ هل ثار على حكومته ومقاومته؟ هل سقطت الراية؟ أبداً – بل كان التلاحم والتضامن في أروع صوره، كان في صورة دروس للعالم أجمع تقول أننا ومهما اشتدت الهجمة لن نساوم أو نخضع حتى وان كانت هناك فئة فاسدة ومفسدة شوهت تاريخ ونضال شعبنا لسنوات، حتى وان كان عباس لا زال في غيبوبته التي ارتضاها لنفسه ليخرج بالأمس في لقاء مفترض مع الصحفيين حضره أركان زمرته فقط ليصول ويجول مبرراً مواقفه المخزية، وليكرر تفاهات سحب الذرائع وعدم جدوى المقاومة وغيرها من جمله التي حفظناها عن ظهر قلب، دون أن يتعرض للاحتلال بكلمة واحدة.
عظمة شعبنا وقوته في مواجهة الآلة العسكرية للاحتلال تجسدت في عملية "الوهم المتبدد" ليتبعها أسطورة نابلس البطل وليد الشحروري والذي واجه جيش الاحتلال جريحاً في معركة غير متكافئة لأكثر من 16 ساعة، استخدم فيها الاحتلال قنابل الصوت والدخان والدموع والكلاب والأجهزة الآلية، وصوت والدته إضافة للذخيرة الحية.
مواقف البطولة تجلت أيضاً في التحدي الكبير هذا اليوم بعقد جلسة التشريعي بحضور من يطاردهم الاحتلال دون خوف أو وجل، ولما الخوف؟ ألسنا أصحاب حق؟ إننا والله كذلك.
عظيم أنت يا شعب فلسطين بأبنائك وحكومتك ونوابك، عظيم أنت وشعوب العالم تتحرك نصرة لك كما تابعنا في أوروبا وإندونيسيا، حتى وإن كان أبناء أمتك العربية في سبات تلهيهم مباريات كأس العالم، عظيم أنت وقد توحدت في اتفاق وطني رغم كل محاولات العرقلة من أشباه رجال أوسلو، عظيم وأنت تقزّم أشباه الرجال لترفع هامتك فوق رؤوس المنبطحين المتاجرين بك وبقضيتك.
لن يضيرك يا شعبي العظيم سقوط البعض، ولن تضيرك أراجيف وأباطيل الإعلام الموجه المنحاز ضدك، ولن يفت في عضدك الكلام المثبط، ولن تهزم بإذن الله.

رائع أنت يا شعب فلسطين وأنت تردد قول الشاعر:

يا كل العالم هل تسمع
انا اقسمنا لن نركع
لن نركع أبدا لن نركع
ما دام بنا طفل يرضع
قد نبكي شوقا لا حزنا
يا كل العالم كي تسمع
فالعيش بذل لا نقبل
والموت بفخر ما أمتع
قبضاتنا اصلب من حجر
أجسادنا سد بل امنع
دموع رجالنا محرقة
للطاغي بل موت أفظع
يا كل العالم هل تسمع
ننبيك بأننا لن نخضع
قد عاد النجم يجاورنا
والحق غدا شمسا تسطع
وبلال قام يؤذن في أحياء القدس..
أجراس العودة فلتقرع
ما عدنا نخاف البطش
ولا قصف المدفع..
يا كل العالم هل تسمع
قد نبكي شوقا لا حزنا
يا كل العالم فلتسمع
إنا باقون إلى الأبد..
لن نركع أبدا
لن نخضع..

ارفع رأسك وافخر، حق لك ذلك في زمن الخنوع والخضوع، ارفع رأسك فالراية لن تسقط، والحق لن يضيع، طالما أن شعباً عظيماً كشعب فلسطين في الخندق، حق لك أن تفخر.. أنت فلسطيني، وحق لي أن أفخر أني فلسطيني.

2008/12/29

مصر وحصار غزة

بقلم : سليمان نمر
في كل مؤتمر ولقاء عربي يدعو العرب، قادة ووزراء ومسؤولون، إلى فك حصار العدو الإسرائيلي لغزة، ويدعون المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته والعمل على فك الحصار عن فلسطينيي غزة.
ويعتقد العرب أنهم غير قادرين على أن يفعلوا شيئاً لفك الحصار سوى إرسال المؤن والمساعدات عبر المنظمات الإنسانية الدولية، ولا يستطيعون محاولة استصدار قرار من مجلس الأمن يدعو لفك الحصار لأن ''السيد الأميركي ''في المجلس سيعطل مثل هذه المحاولة.
وهكذا يعتقد العرب أنهم يرضون ضميرهم بإرسال المؤن والمساعدات الإنسانية إلى فلسطينيي غزة، ويجدون المبرر والعذر لعجزهم.
وفك الحصار عن غزة وأهلها لا يحتاج إلى توسل المجتمع، ولا إلى أي قرارات من ''الشرعية الدولية''، بل يحتاج إلى إرادة عربية نفتقدها.. يحتاج إلى إرادة مصرية وقرار مصري تستطيعه مصر بكل سهولة إذا ما أرادت أن تتحمل مسؤولياتها العربية، وإذا ما مارست دورها المعهود بقيادة العرب.. حينها تستطيع أن تفتح بوابة رفح، لا ليعبر أهل غزة إلى مصر، بل ليعبر العرب إلى فلسطين، وليستعيد العرب علاقتهم بفلسطين القضية.
فلسطينيو غزة الذين تظاهروا أمام الأسوار التي رفعتهـــا مصر -الدولة- في وجوههم في رفح.. كانوا يستصرخون مصر وضميرها.. كانوا يستصرخون العرب ونخوتهم أن ينقذوهم، فالعدو يحاصرهم ويقتلهم أمام مرأى العالم، عدو يصطادهم بطائراته ومدفعيته، فهو عدو من مصلحته ألا يحاصر غزة فقط بل أن يقتل جميع فلسطينييها.
أما مصر فهي الشقيقة الكبرى، مصر التي قادت العرب إلى نصر أكتوبر.. هل من المعقول أن تشارك العدو بحصار غزة وأهلها..؟
هل وصل الهوان العربي إلى درجة أن يقف ضباط الأمن المصريون فوق الأبراج يستمعون إلى صرخات جياع غزة وجرحاها، والأوامر تمنعهم من عمل شيء، ويقف مئات رجال الأمن المصريين - الذين سمحت ''إسرائيل'' لمصر بتواجدهم بأسلحتهم لمواجهة الفلسطينيين فقط- في حالة استعداد'' لقطع رجل'' أي فلسطيني يحاول عبور بوابة السجن الجنوبية المصرية.
مستعدين لقطع أرجل فلسطينيي غزة الذين لا يريدون العبور إلى مصر بل يريدون أن يعبر العرب إليهم.
لو كان المبرر المصري ''امني'' فعلا وان هناك خشية على أمن مصر الداخلي من تسلل عناصر حماس، لنظمت مصر عبور أهل غزة بتصاريح وجوازات سفر وتأشيرات.. ولكن الأمر ليس كذلك.
الأمر هو ارتهان الإرادة للعجز والتخاذل. فهذه ليست مصر التي عرفناها ونعرفها، مصر صاحبة الدور القيادي العربي.. تنسحب من هذا الدور من أجل عدم إغضاب ''السيد الأميركي''.
مصر العظيمة الرائدة لم تعد باستطاعتها أن تقوم بدور في العراق، وتركت الدور في لبنان لغيرها.. أصبحت لا تقدر أن تقوم بدور لممارسة سيادتها على حدودها فأصبحت لا تستطيع أن تفتح بوابة حدودية مع غزة، وبوابتها مع فلسطين، أصبحت بوابة للوساطة بين الفلسطينيين وعدوهم. بل دور ناقل للتهديات الإسرائيلية للفلسطينيين - كما يقول سرا بعض الفلسطينيين المعنيين بالاتصالات المصرية الفلسطينية -
مصر تفقد دورها عربياً لذلك نرى هذا الوضع العربي المتردي.. وحين يفتقد دورمصر يهون العرب وأولهم فلسطينيو غزة.
وحين تحتاج مصر إلى تصريح أو إذن من الولايات المتحدة الأميركية لتقوم بدور ما، يصبح من غير المستغرب أن يستأذن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ''العاجز'' أيضاً من وزيرة الخارجية الأميركية ليحاور شقيقه الفلسطيني المحاصر في غزة.
وليس من المستغرب أن يقابل رئيس السلطة الفلسطينية رئيس وزراء العدو الإسرائيلي بالقبلات في حين يمتنع عن لقاء شقيقه رئيس حركة حماس.
حين تتخلى مصر عن دورها العربي، يصبح مطلوباً من جنود مصر أن يقفوا على حدودها مع فلسطين ليحموا أمن ''إسرائيل''.. وحين لا يعود لمصر دورها في قيادة العرب ولم شملهم وحمايتهم يصبح أمرا عاديا ان تدرب الولايات المتحدة جنوداً من جيش مصر العظيم - الذي هزم ''إسرائيل'' في حرب أكتوبر- في قاعدة بكاليفورنيا، لا حباً في هذا الجيش أو بمصر، بل تدربهم الولايات المتحدة على سبل اكتشاف الأنفاق ومراقبة الحدود من أجل أن يحموا امن عدو مصر والعرب ومن اجل أن تبدو مصر انها شريك في حصار الفلسطينيين شعبا وقضية.

-

2008/09/04

محاورة مع محمود درويش في قصيدته ( انت منذ الان غيرك )



بقلم الناقدة : رحاب الخطيب
حتى الآن لم أنعك شاعري ، أما الآن فسأعلن نعيي لك صديقي ... شاعرنا الكبير
محمود درويش ...

تنهيدة كبيرة علت صدري خنقتني أثقلتني بالآلام
عندما انتهيت من قراءة قصيدتك
" أنت منذ الآن غيرك " رسالتك الأخيرة التي وجهتها لأبناء الوطن الباسل الحر
الذي يأبى الضيم .. الجبل الشامخ في وجه العدو الذي رفض وناضل وقدم الشهداء
الواحد تلو الآخر الذي ما يزال أبناؤه يعتزون بأنا فلسطيني أو أنا في الشتات
بجنسيات وألوان فرضها الاستعمار علي لكني من أصل فلسطيني...
آه صديقي ...
كم آلمتني التنهيدة لأن الضربة في الرأس تؤلم ... كيف لا وهي من أقرب الناس ..
أخي ..رسالتك لأبناء الوطن الواحد للفلسطينين الذين شغلهم الكرسي ... لطالما
تميزوا عن غيرهم بكل شيء لكنهم الآن غيرهم...
رسالتك الأخيرة اليهم صفعة يجب أن يتلقوها ليستيقظوا جميعا من سباتهم الذي طال
تخليهم عن مبادئهم وهوياتهم ليقبعوا خلف اقبية التفاهة ...
صديقي .. رحمك الله ، فأنت لم تستطيع التحمل أكثر .. تعبت من طول الطريق رأيت ما لم يره الآخرون.. أثقل صدرك خزي الإخوان ..
لم تستطع المكوث أكثر فآثرت الرحيل .. غادرتنا سريعا دون وداع .. فالبقاء سيزيدك ألما .. سامحنا ...

" أنت منذ الآن غيرك " الرمز والغلو فيه والسريالية وعدم الوضوح ليست من
سمات قصيدتنا ، فقصيدتنا الأخيرة للشاعر الكبير محمود درويش عكس ذلك فهي
الوضوح المطلق للمتلقي فلا مجال للرمز لأن المخاطب قليل فهم وهم ( الإخوان )
فالصورة الشعرية منفية من القصيدة فلا مجال لها لأن المتلقي ( الأخ ) يجب أن يفهم
بوضوح ما يريده الشاعر لأنه كطفل لا يستوعب ما يقال له باستخدام الرمز ...
فقد بدأ شاعرنا محمود درويش قصيدته :

هل كان علينا أن نسقط من علو شاهق ، ونرى دمنا على أيدينا .. لندرك اننا
لسنا ملائكة .. كما كنا نظن ؟؟

كنا قد آمنا فعلا بأننا مختلفون شعب جبار خلده التاريخ وهنا صورة سقوطنا من
برجنا العاجي لنرتطم ونرى دمنا على أيدينا أيقظتنا من غفوتنا ..

وهل كان علينا أيضا أن نكشف عن عوراتنا أمام الملأ كي لا تبقى حقيقتنا
عذراء ؟

تساؤلات أثقلت صدر شاعرنا وهذا ما لا يطيقه كل حر فلسطيني فلم تبقى حقيقتنا عذراء .

كم كذبنا حين قلنا : نحن استثناء
أن تصدق نفسك أسوأ من أن تكذب على غيرك !!
أن نكون ودودين مع من يكرهونا ، وقساة مع من يحبونا تلك هي دونية المتعالي
، وغطرسة الوضيع !

فلسفة درويش في الواقع الأليم أعلنها صراحة دون تنميق أو زخرفة ، فالواقع أننا
انسلخنا من جذورنا وأصبحنا وحوش إلا على الأعداء ..

أيها الماضي ! لا تغيرنا .. كلما ابتعدنا عنك !
أيها المستقبل : لا تسألنا : من أنتم ؟ وماذا تريدون مني ؟ فنحن أيضا لا نعرف.
أيها الحاضر ! تحملنا قليلا ، فلسنا سوى عابري سبيل ثقلاء الظل!

علامات التعجب والاستفهام والتساؤلات هي قصيدتنا لنعبر عن حالة الضياع ،
فالكارثة كبيرة وفوق الاحتمال فقد حصل زلزال لشموخنا ، ماذا حصل ؟؟!!
فلم نعد نعرف من نحن دسنا ما حققه الأجداد من صمود واستشهاد الكثيرين من
أجله رميناه عرض الحائط .. رجاء للماضي لا تغيرنا .. كلما ابتعدنا عنك ! رجاء
أخير من شاعر طال انتظاره ليحقق حلم النصر ...
المواقف اختلفت والهوية لم تعد واضحة فالواقع مشوه والجبابرة غادرونا وبقي
من كان في الصفوف الأخيرة مختبئا ليستلم الدور عنهم ...

ولولا أن محمدا هو خاتم الأنبياء ، لصار لكل عصابة نبي ولكل صحابي ميليشيا !!
أعجبنا حزيران في ذاكرة الأربعين : إن لم نجد من يهزمنا ثانية هزمنا أنفسنا
بأيدينا لئلا ننسى !

الشعب تفرق وتمزق وما لم يستطعه العدو استطاعه الشعب ، لم يستطع العدو
نخر الصفوف والقضاء عليها رغم العذابات التي ألحقها بالشعب ، رغم القهر ،
رغم الموت الجاثم على صدور شعب مهجر ، ومجوع ومقهور إلا أنه صامد !!
رغم كل هذا تفتت وتمزق تلاحم الشعب الصامد لأجل ماذا!!

مهما نظرت في عيني .. فلن تجد نظرتي هناك خطفتها فضيحة ! قلبي ليس لي ولا لأحد . لقل استقل عني . دون أن يصبح حجرا .

نظرة الشموخ والعزة والكرامة " أنا فلسطيني " خطفتها فضيحة أشد على يدك شاعري فقد أشعرتنا بألم الواقع المرير الحاصل هناك في الوطن البعيد القريب من القلب فقد رحل الشجعان الباسلون وبقي !!!

هل يعرف من يهتف على جثة ضحيته – أخيه : الله أكبر أنه كافر إذ يرى الله على صورته هو : أصغر من كائن بشري سوى التكوين ؟
أخفى السجين الطامح إلى وراثة السجن ، ابتسامة النصر عن الكاميرا لكنه لم يفلح في كبح السعادة السائلة من عينيه
ربما لأن النص المتعجل كان أقوى من الممثل .
ما حاجتنا للنرجس ما دمنا فلسطينيين وما دمنا لا نعرف الفرق بين الجامع والجامعة ، لأنهما من جذر لغوي واحد ، فما حاجتنا للدولة .. ما دامت هي والأيام الى مصير واحد ؟

حقيقة صرح بها شاعرنا وموقف من السقوط الحاصل الآن في الوطن الصامد .. تغير العدو فقد أصبح العدو أقرب الناس كل يتهافت على الدنيا وعلى الكرسي من يدمر الآخر أكثر .. سلمت أيدكما ايها الأخوان في الوطن المحتل فقد فعلتم المستحيل .
فقد اختلطت علينا المصطلحات والمفاهيم فغدت الغشاوة على أعيننا فلم نستطع التمييز ...

لافتة كبيرة على باب ناد ليلي : نرحب بالفلسطينيين العائدين من المعركة . الدخول مجانا وخمرتنا لا تسكر !
آه أيها العائدون القو بسلاحكم وتمتعوا بالنادي فقد آن لكم أن ترتاحوا فلم تعد فلسطين بعد !!
أنا والغريب على ابن عمي ، وانا وابن عمي على أخي وأنا وشيخي هذا هو
الدرس الأول في التربية الوطنية الجديدة في أقبية الظلام

وكأني أعرف هذا المثل لكن الأجداد فهموه بشكل آخر يا درويش أنا وأخي على
ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب ! لكنك صدقت فهناك في الوطن المحتل
تعبوا من المثل القديم فقد أصبح قديما باليا لكن الواقع والمصلحة والتكتيك
يتطلبان ما قلته لنغير المثل حتى يتماشى مع الواقع ليصبح منطقيا ، ومتماشيا مع
أهداف العدو !! إذن يا درويش من العدو !! رب عدو لك ولدته أمك !!!

من يدخل الجنة أولا ؟ من مات برصاص العدو ، أم من مات برصاص الأخ ؟
بعض الفقهاء يقول : رب عدو لك ولدته أمك !
لا يغيظني الأصوليون ، فهم مؤمنون على طريقتهم الخاصة .
ولكن يغيظني أنصارهم العلمانيون ، وأنصارهم الملحدون الذين لا يؤمنون إلا
بدين وحيد : صورهم في التلفزيون !

يا درويش كم أنت صارم في هذه القصيدة أعلنتها للملأ فلا مجال للمواربة ..
هم لم يغيظوك وحدك فكلهم سواء أصدقاء وأنصار
يا درويش هم لا حول لهم ولا قوة !!

هل يدافع حارس جائع عن دار سافر صاحبها لقضاء إجازته
الصيفية في الرفييرا الفرنسية أو الايطالية .. لا فرق ؟
قلت : لا يدافع !

لماذا يدافع الحارس طالما صاحب البيت يستجم فقد تعب من المشوار وجهز
لنفسه ما يعينه من فتات الدنيا على الاستجمام والفرح والراحة .. فقد قام بدوره
وآن له أن يرتاح .. فلترقد يا درويش بسلام فالوطن بأيد أمينة .

وسألني : هل أنا + أنا = اثنين ؟
قلت : أنت وأنت أقل من واحد !

كما أنت دائما يا درويش لابد من التغيير في أسلوبك ونهج قصيدتك كما هو الحال
فقد أقحمت عالم الرياضيات والمنطق في قصيدتك لكن المنطق هنا لم يعد منطقيا
فقد تغيرت القواعد المنطقية بتغير كل شيء !!

أخجل
من هويتي ،فهي ما زالت قيد التأليف .
ولكني أخجل من بعض ما جاء في مقدمة ابن خلدون .

بصيص أمل بشعور فخر ولو بسيط أعطيتنا إياه في نهاية قصيدتك لمن بقي في
ثنايا روحه ذرة كرامة بعدم الخجل من الهوية .. فالوطن الآن يخجل من أبنائه !!
علينا تأليف ورسم طريق أفضل لنرفع رأس الوطن بنا لنزيل وصمة عار علتنا
وآن للوطن أن يسجل غيرها ولم الخجل من بعض ما جاء في مقدمة ابن خلدون
ربما نحقق من جديد ما كتب
" أنت منذ الآن غيرك " !
الوضوح التام والذي لا مجال للرمز فيه هي قصيدتنا فقد جسد شاعرنا الكبير
_رحمه الله_الألم والوجع الفلسطيني بتناحر الإخوة على ماذا ولماذا؟؟!
أسئلة كثيرة نعرفها ولا نعرفها ولا نريد أن نعرفها ...
فقد استوقفنا وأشعرنا بالآلم والقهر الحاصل من تناحر الإخوة وعدم الاتفاق
الفلسطيني كل ذلك بأسلوب غاية في الغرابة استطاع شاعرنا ايصاله لقلوبنا
وعقولنا وترك رسالة لأبناء الشعب الواحد الذي حقق ما لم يحققه العدو .. ليقف
العدو مشدوها من شعب لم يستطع إخضاعه بل أخضع نفسه بنفسه ليفرح بنصر
لم يقدر على تحقيقه طوال عشرات السنين ...
" أنت منذ الآن غيرك " قصيدة تمرد فيها على كل شيء على شكل القصيدة
واسلوبها وقافيتها فالواقع متمرد اختفت ملامحه وهكذا القصيدة أراد أن تكون
صفعة قد تعيد الوعي لشعب طالما ناضل وشارف على الانتصار ..
نعتذر منك يا درويش فأنت منذ الآن غيرك .

2008/04/01

ابو جنزير


ربيحة علان علان
مخيم الجلزون- رام الله المحتلة
29-3-2008م

وقف عند الباب وكعادة الرجال في بلادنا أصبغ على وجهه علامات الغضب وحذرها من المساس بشرف العائلة. وطلب منها أن تقطع لسانها وسلك التلفاز وعادة القراءة وأن لا تبكي لان بكاء غزة بات جريمة تستدعي رجال الأمن إلى غرف النساء.
* * * * * * *
عندما يتحدثون عن دولتنا الموعودة أقول في نفسي أليست موجودة؟! فعلى أطراف الشوارع أوقفنا طلاب المدارس والموظفين لتحية رئيسنا المحتل، وهتفنا له حيا وميتا عادلا وظالما وجددنا السجون وجهزناها لاستقبال المثقفين والوطنيين، وقمعنا من تظاهروا طلبا لرغيف الخبز أو حبا برسول العالمين، ورضينا بما قسم الغرب لنا ووضعنا القدس في فم إسرائيل. وكتبنا بأحمر الشفاه تاريخنا وحرقنا حقولنا وأقفلنا مصانعنا وانقسمنا أحزابا وطوائف وخضنا حربا أهلية... فماذا ينقصنا إذن من مقومات الدولة العربية؟!!
* * * * * * *
شرح المعلم لصغيري معنى كلمة "العاصمة" فأوقعني في جدل مع الصغير لم ينتهي حتى انشغل الصغير بغيري. كان صغيري يريد إجابة مقنعة عن سؤال ظل يكرره:" لماذا نسمي القدس عاصمتنا ونحن نبني عاصمة بعيدا عنها"؟؟!!!!
* * * * * * *
كنا نحاول جمع شتاتنا في ساعة فرح فغنت ورقصت وطارت حولنا كاليمامة. نظرت نحوي فحاولت الابتسام. استمرت في الرقص حتى ضحكت. كانت في منتهى الرقة والبراءة. أسعدتني وأثارت في المكان شعورا بالسعادة والألفة. فانشغلنا بها حتى أوقفنا حاجز جديد ووجوه صهيونية جديدة. فافتقدتها. أوهمتني أنها نائمة، كانت تغطي جسدها الرقيق بكوفية ما فارقتها منذ خرجنا معا. كأنها تدري أني مازلت أنظر إليها. فرفعت طرف الكوفية بكف حمل خاتم خطوبة أسير فإذا بشعرها قد بلله الدمع وعيناها تحكيان قصة يمامة ترقص مذبوحة من الألم فقالت بعد أن أطالت النظر إلي:"متى يعود الأسرى؟"... فصمت...فتنهدت وقالت :"قريبا إن شاء الله"... وعادت إلى حضن كوفيتها...
* * * * * * * *
في نهاية انتفاضة 87، وفي مخيمنا وتحديدا في حارة صديقتي التي ذكرتني بالحادثة:
كانت احدى النساء وابنتها تخبزان ليلا وإذا بصوت قرب الباب. توجهت الابنة لفتح الباب فلم تجد شيئا، أغلقت الباب، فعاد الصوت. بدأت الأم وابنتها تحاولان فهم مصدر الصوت، كان صوت طرق وتحريك سلاسل أو شيء معدني وكان صوت الحركة أحيانا ضعيفا وأحيانا أخرى قويا. الأم وابنتها وضعتا عدة احتمالات للصوت قالت البنت"هؤلاء جنود الاحتلال ينتظرون عودة أخي المطارد ليعتقلونه"، قالت الأم:"هذا صوت جن أو شبح"... على كل حال انتاب الاثنتان حالة من الرعب وأغلقتا النوافذ فورا وخلدتا إلى النوم متلاصقتين وبقيتا حتى الصباح في حالة من القلق والترقب واستمر الصوت القادم من خلف الباب يُسمع من وقت لآخر حتى طلوع الفجر مما جعل كل واحدة منهن تعتقد أن هناك أمرا جلل. وفي الصباح وجدت الأم وابنتها أن معظم الأهالي في الحارة عاشوا نفس الظروف في تلك الليلة. و تكررت الحادثة في الليالي التي تلتها. انتشر الرعب في تلك الحارة وبات الجميع يتحدث عن"أبا جنزير" الذي يخرج عند حلول الظلام ويختبئ بعد طلوع الفجر، وانقسم البسطاء بين من قال أنهم جنود الاحتلال ينتظرون الشباب المطلوبين ساعة قدومهم لزيارة ذويهم في الليل، وعليه فقد بات الجميع يحذر ويرسل أخبار أن لا يدخل المخيم أحد من المطلوبين ليلا. البعض الآخر قال هذا مارد من الجن يسكن تلك الحارة، وحذر الأهالي بعضهم بعضا من البقاء خارج المخيم أو حتى خارج البيوت بعد غروب الشمس ونصحوا الزوار بالعودة إلى منازلهم قبل الغروب "حتى لا يخرج لهم أبا جنزير". أصبحت حالة الحارة بعد غروب الشمس أشبه بمنع التجول العسكري المحكم. حتى قيل أن شبانا صغار وقفوا ذات ليلة يتحدون "أبا جنزير" هذا، جنا كان أم صهيونيا. فما أن غابت الشمس حتى خرج عليهم أبا جنزير، كان كلبا صغيرا ضالا جائعا وقد علق في قدمه جنزيرا. ضحك البعض كصديقتي- من أوهام تتكرر في أيام الإحباط واليأس. والبعض الآخر استمر يعتقد أنه كان هناك جنودا أو جنّا لم يحققوا مرادهم فأطلقوا هذا الكلب الصغير.
* * * * * * * * *
اقتربت مني وقالت وصوتها بالكاد أسمعه:"سألوه عن علاقته بك فاحذري" ابتسمت وحاولت إقناع نفسي أنه أمر ذو أهمية أن يرد اسمي في غرفة تحقيق عربية. فالأمر بات مضحكا، كلما تحركت يمينا أو يسارا وجدت من يحذرني من جبروتهم. وما كان بيني وبينهم شيء غير أني مدرسة التاريخ. وهم كتبوا التاريخ فما ذنبي أنا؟!!

2008/01/15

أشياء صغيرة مثل سؤال ..: أين

بقلم : بريهان قمق

نفوس الليل بالنبيذ غارقة
أم شموس صوب ثقب أسود تنحدر
أم ،
حلم بعيد من زبد النهر ، انبتَّت وردة استحالات
تبحث عن اسمٍ على قارعة طريقٍ
عن أثر عينٍ ،
بمخالب العتمة
..
قالوا ابحثي عن :غريب
نبشت وسط الخلايا للحلم القديم انتفضت
بارتطام الضحى والليل ،
بنزق الملائكة
فتحت صنوبرات الدهشة
أسئلة افترست الحرائق
قلبت وجوها
وحروفا
وأرقام
ما وجدت طائرها القديم في البوم الصور
ولا حتى
ظلها المجروح..
..أينه الغريب
بفاطمتي
وزلفتي
وصفائي
بسرب العصافير والغيمات ..
غريبا قد مضى ،
واسمه بعد
موشومٌ
على وردتي

2008/01/14

الأم في قصائد محمود درويش .. وبدر شاكر السياب



بقلم الناقدة : رحاب الخطيب


أحن إلى خبز امي

وقهوة امي

ولمسة امي


كم نظم الشعراء ..! وكم كتب ال ادباء عن الأم ؟ .. الام ذلك الجذر الأصيل المتجذر ‏فينا .. هي امتداد الزمان عبر عصور تربط حاضرنا بماضينا لحظة بدء الخليقة ، لهذا نرتبط ‏دوماً بلمسة حنانها .. بحضنها الدافئ ..بحاجتنا الى الطمأنينة بقربها .. بحب عفوي لا ‏مصلحة فيه ، بشوق متبادل .. بعاطفة لا تعلوها عاطفة ..‏الحنون التي شغلت ال شعراء فعبروا عن دفء مشاعرهم نحو اسمى انسان في حياتهم ..

الام ‏التي لا تنسى .. وبفقدها يخلع الانسان من جذوره .. يتزعزع في داخله توازنه الروحي .. ‏لهذا دائماً نجد الشعراء يعودون ادراجهم نحو الطفولة لما لها من التصاق بالعزيزة الغالية ..

‏في قصيدته ( الى امي ) نجد شاعرنا محمود درويش يؤكد على الحنين الى الأم .. الى ‏الاشياء المادية التي ترتبط بها .. لخبز الأم طعم خاص .. ولقهوتها مذاق مميز .. حتى لمسة ‏الام .. لها شكل آخر ، كل ما في الطفولة يسترجعه الشاعر بدقة وهي ذكريات لا تنسى ‏مهما تقدم بنا العمر ..‏وهذا ايضاً نجده عند السياب في قصيدته ( انشودة المطر ) .. فالسياب فقد امه مبكراً وهو ‏طفل لم يكمل عامه الأول .. فهو اذن لم يعرف امه .. ولهذا فقد كانت صورة الام لديه ‏غائمة .. وقد اثر فقدان امه المب كر في حياته كثيراً وترك اثراً حزيناً لم يستطع التخلص منه ‏في حياته .. فقال في انشودته


‏تثاءب المساء

والغيوم ما تزال تسح

ما تسح من دموعها الثقال

كأن طفلاً بات يهذي قبل ان ينام

بأن امه التي افاق منذ عام فلم يجدها

، ثم حين لج في السؤال

قالوا له : بعد غد تعود ‏‎…

‎لابد ان تعود

وان تهامس الرفاق انها هناك

في جانب التل تنام نومة اللحود

تسف من ترابها و تشرب المطر..

فالسياب يرفض حقيقة وفاة أمه وظل يؤكد لنفسه انها ما زالت هناك وستعود .. بل لا بد ‏ان تعود .. وهذا امر طبيعي لمن يفقد اعز الناس ‏الأم تسمو لتعلو وتعلو عند محمود درويش لتصبح الوطن بدفئه .. بكرامته .. بعزته وبحبه ‏الكبير . فدرويش يربط نضال صغار العصافير بدرب رجو عهم لعش الكرامة والاباء ‏فالام عنده هي مصدر النور الذي يمده بنجوم الطفولة .. دعاؤها يرده الى شبابه ليحلق ‏نحو الضياء :‏


هرمت ، فردي نجوم الطفولة

حتى اشارك ‏صغار العصافير

درب الرجوع لعش انتظارك ..!


‏فالأم عند درويش هي الوطن وهي مصدر الحنان والدفء والعطاء .. فالوطن والأم لا ‏انفصال بينهما يمدان الابن بالقوة والقدرةعلى التحليق نحو الحرية ..‏الصورة مختلفة قليلاً عند السياب فالسياب يعبر عن غربته .. غربة الوطن وغربة الأم وما ‏ اصعبهما ان اجتمعا معا ..!

‏في قصيدته ( غريب على الخليج ) يقول السياب


‏والبحر دونك يا عرا ق

بالأمس حين مررت بالمقهى

سمعتك يا عراق

..‏وكنت دورة أسطوانة ‏هي دورة الأفلاك

من عمري

، تكور لي زمانه

في لحظتين من الزمان

وان تكن فقدت مكانه

هي وجه امي في الظلام

وصوتها ، يتزلقان مع الرؤى حتى انام


‏‎…‎هنا يتحدث السياب عن الغربة .. ومعاناة فقد الام والتي تأججت في غربته عن الوطن ‏فالوطن والام كلاهما واحد .. احدهما يذكره بالآخر .. الآخر الذي لا ينفصل عنه ‏فوطنه بعيد عنه يتذكره اغنية في اسطوانة بعيدة بعيدة .. كذلك وجه امه التي فقدها في ‏الظلام ، فقد عبر عن بعد صورتها بقوله بأن وجهها في الظلام ، فلا يرى بوضوح ‏وكذلك صوتها الذي يرافقه ليشعره بالطمأنينة كعادة الاطفال حين ينامون ‏اذن فالام عند الشاعرين هي الام الحقيقية التي تمتد لتشمل الوطن .. الوطن الذي يسكن ‏في اعماق الروح نتنفسه كرامة وحبا وشوقاً .‏ابدع الشاعران الكبيران ( السياب و درويش ) في رسم ملامح الأم لتعبر عن الوطن ‏الساكن فينا .. الا انها جاءت صورة مكتنزة بالحرقة وال مرارة عند السياب .. على غير ما ‏جاءت به عند درويش وذلك لاختلاف التجربة ومرارتها والتي لا يستطيع تخيلها الا من ‏عاشها ..‏اما جزئيات العلاقة التي تربط الانسان بأمه فقط ظهرت مرسومة بشكل اكثر وضوحا ‏وتفصيلا عند درويش .. وذلك لطبيعة التجربة ، فالسياب لم يعرف دفء حضن امه ولا ‏لمستها ولا ق هوتها أو شكلها .. فقد فارقته وهو في سنته الاولى من عمره .. لهذا نجد ‏العلاقة الحميمية عند درويش اوضح واكثر تفصيلاً


..‏خذيني ، اذا عدت يوماً وشاحاً لهدبك

وغطي عظامي بعشب

تعمّد من طهر كعبك

وشدي وثاقي بخصلة شعر

بخيط يلوّح في ذيل ثوبك


فالعلاقة قريبة لدى محمود درويش من خلال ذكر تفاصيل تربط الشاعر بأمه ( خصلة ‏شعر ، خيط في ذيل ثوبها ، تنور نارها .. وحبل ا لغسيل على سطح دارها .. ) وهذه ‏معان ابدع درويش في الاشارة اليها والتعبير عنها بحرارة اتسعت لتشمل كما قلت الام ‏الحقيقية لتمتد إلى الأرض ، ارض الوطن الذي يسكن قلب الشاعر . وهذه الدلالات تفرد ‏بها محمود درويش عن السياب الذي كانت صورة الام لديه صورة غامضة .. غارقة في ‏الضباب ..والعتمة :‏هي وجه امي في الظلام وصوتها يتزلقان مع الرؤى حتى انام ..‏وهكذا نجد صوراً جميلة عميقة في التعبير عن الام لدى الشاعرين .. وتبقى قصيدة ( إلى ‏امي ) لمحمود درويش .. و ( انش ودة المطر ) للسياب .. من اكثر القصائد العربية تأثيراً ‏وجمالا .. حيث احتلتا مكانة مميزة منذ كتبهما الشاعران الكبيران

..‏للشاعرين كل الاعجاب وللأم والوطن كل المحبة والحاجة

ماذا بعد أيها المناضلون و الجهاديون





منير مزيد


كنت عائدا من أمسية ثقافية فلسطينية والتي غادرتها في بداياتها والحزن يعتصرني على ما وصل إليه حال الشعب الفلسطيني عموما وحال أبناء الجالية الفلسطينية هنا في رومانيا ، فالكل يدعي انه وطني أو مناضل أو بطل و الآخر بالنسبة له خائن أو عميل أو كافر حتى بات الشعب الفلسطيني منقسما على نفسه ، ومن شدة حزني غادرت مسرعا دون أخبار أو وداع أحد حتى أنني نسيت تغطية وجهي ورأسي من شدة البرودة في بخارست حتى شعرت بأن وجهي قد صار رقائق زجاجية هشة. وحين وصلت إلى البيت دخلت مسرعا إلى مكتبي إلى عالمي الخاص للكتابة عن الأمسية الثقافية فوجدت أحداً قد اقتحم بريدي الالكتروني ، مرسلا لي فيلما وثائقيا يتناول الأحداث الأخيرة التي وقعت في غزة . حقيقة ، لا أدري نوعية الشعور الذي أنتابني ،غير مصدق تلك الصور فشعرت بالغثيان والتقيء، وللمرة الأولى في حياتي ، أعترف بأنني شعرت بالخجل من نفسي كوني فلسطينيا ، ومن دون وعي أرسلت رسالة إليكترونية إلى مرسل الفليم الوثائقي كتبت فيها : "حقيقة وأنا أشاهد الفليم شعرت بالخجل كوني فلسطينيا..شيء مخجل ومقرف ومحزن .. حماس وفتح أسوء من اسرائيل ...خسارة يا شعب ..اي نضال هذا الذي يقتل الأخ فيه أخاه .. اللعنة عليكم جميعا وإلى جهنم جميعكم ايها السفلة. "
لو أن هذا الفليم عرض على شاشات التلفزة الأوروبية ، لبصق علينا كل موطن أوروبي مؤيد لقضيتنا وانحاز إلى الكيان العنصري المسخ الذي اغتصب أرضنا، وشرّد أهلنا من ديارهم، وسفك الدماء، وانتهك الحرمات، ودمّر البيوت وأحرق المزارع، وعاث في الأرض فساداً . فالفليم يظهرنا على أننا قطعان من عصابات القتل لا تقيم وزناً أو احتراماً للحياة الإنسانية ومتناسين عظمة الآيه الكريمة " ولقد كرمنا بني آدم "

ما أن ارسلت تلك الرسالة شعرت بالندم تجاه تصرفاتي وانفعلاتي وعدم قدرتي على السيطرة على نفسي وإخفاء مشاعري وأحاسيسي، فكل من يعرفني يرى بأنني إنسان مفرط الحساسية تجاه الاشياء وأن اي شعور ينتابني يكون واضحا على ملامحي وتصرفاتي ، فربما هذه التصرفات والانفعلات هي جزء من كوني فلسطينيا ،عاش وتربى في بيئة وظروف معيشية غير طبيعية ، عاش القهر والتشرد واختبر كل التجارب النفسية ، القلق ، الخوف ، فقدان الطمأنينة، الحيرة، الضياع .. حتى أصبح إنساناً يعج بالخراب في داخله . فلماذا أذن ، هذا التجني على أخوتي وعلى تصرفاتهم وعلى قتالهم لبعضهم البعض وكل واحد منهم يحمل في داخله سلة خراب ،في المقابل ، ألم نقرأ عن قتال صحابة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) لبعضهم البعض زمن الفتنة ؟
ربما كنت أحاول أن اجد عذرا لأخوتي أو التخفيف عن نفسي هول المشاعر التي انتابتني لرؤية تلك الصور الا ان هناك ما يدفعني لرفض تلك الذريعة مهما كانت الأسباب

المصيبة الحقيقة والكبرى هي الصراع على السلطة والتي باتت الهدف الأكبر للتنظيمين الرئيسيين علي الساحة الفلسطينية حماس و فتح وظهور قيادات جديدة لا تعرف من السياسة واصولها وآدابها غير التحريض على الآخر، وهدر دمه واستخدام مفردات مثلث الرعب" الخيانة والعمالة والتكفير "
في المقابل ، وحسب مفاهيم الفيلسوف الصيني العظيم لاو تسي مؤسس ديانة الطاو ومؤلف اهم الكتب الفلسفية كتابِ التغييراتِ أو كلاسيكيةِ التغييراتِ والذي يعتبر الأقدمُ مِنْ النصوصِ الكلاسيكيةِ الصينيةِ. فهو نظام رمزِ صمّمَ لتَمييز الطلبِ فيما يبدو مثل الأحداثِ العابرةِ، فهو وصف لـ نظامَ قديمَ مِنْ الكوزمولوجيا والفلسفةِ الذي هو في قلبِ الإعتقاداتِ الثقافيةِ الصينيةِ. تَتركّزُ الفلسفةُ على أفكارِ الميزانِ الديناميِ للنظراءِ، وتطور الأحداثِ كعملية كونية ذاتية وقبول حتميةِ التغييرِ ... وبالتالي تم تصنيف الاشياء على اساس ( الشيء ونقيضة ) ين و يانغ

في الفلسفة الـ (ين و يانغ) الصينيةِ والتي تعني السماء والأرض ، هي النقائضِ أَو الإرتباطاتِ المتبادلةِ في التصوّراتِ الإنسانيةِ مِنْ الظواهرِ في العالمِ الطبيعيِ، يَجْمعُ لخَلْق وحدة النظراءِ فالمفاهيم الثنائية لـ (ين و يانغ) يَصِفانِ المبدأين المعارض ، لكن مكمّلان أساسيان إثنان أَو قواتَ كونيةَ نجدهما في كُلّ الأجسامِ غير الخشخشة والعملياتِ َ في الكونِ ... هذا المفهومِ المتناقضِ حجرُ الزاوية وأكثر فروعِ الفلسفة الصينيةِ .. ين (ظلام) ويانغ (ضوء) أوصافَ النظراءِ المكمّلينِ بدلاً مِنْ مُطلقاتِ ... أيّ ين / يانغ إنقسام يُمْكِنُ أَنْ يُنْظَرَ مِنْ المنظورِ الآخرِ. فكُلّ القوى في الطبيعةِ تمتلك
ين / يانغ

وبدلا من ظهور نقيض لمفردات مثلث الرعب حسب كتابِ التغييراتِ ، ظهر مفردات مثلث رعب آخر، موازيا له ولا يقل رعبا عن المثلث الأول ، ومفردات مثلث الرعب الموازي :" الظلامية ، التطرف ، التعصب " حتى انقسم العرب إلى معسكرين : معسكر حماس والذي يمثل " الظلامية ، التطرف ، التعصب " ومعسكر فتح والذي يمثل "الخيانة والعمالة والتكفير " وباتت الافكار تولد من هذين المعسكرين وبقائهما يهدد وجودنا القومي والإنساني .. ففكر هذين المعسكرين جاء نتيجة ثقافة التجهيل والتسطيح ووجود أنظمة استبدادية عملت على تغذية هذا الغول ، وزرع الخوف وعدم الثقة بلآخرين واستخدام اساليب القمع وتقييد الحريات و العنف الدموى الذى يحفل بالمؤامرات والدسائس والاغتيالات السياسية . نحن لسنا بحاجة إلى جنرالات وقادة حروب خاسرة ولا بحاجة إلى كهنة وشيوخ ، اصحاب الجبة والعمامة واعفاء اللحي وحف الشوارب ، لسنا بحاجة إلى عرابيين اوسلو أو إلى الجهاديين الجدد ِ. ما نحتاجة الآن مثلثين جديدين مثلث " التسامح ، الرحمة والعفو " ومثلث " الصدق ، الحب ، الايمان " ونحتاج إلى ثورة تقودنا في البحث عن الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، دين الرحمة والتسامح
والعدل . وما أحوجنا إلى صوت العندليب الأسمر ليعلمنا الحب ، فالحب أسمى غايات الوجود الإنساني ، والبحث عن قيم الحب والجمال والحرية
وختاما ، لن أنسى حلم أبي رحمه الله الذي مات حزينا ومقهورا على ما حل في أرضه في فسطين مهما حاولوا قتل الحلم فينا ومهما حاول المناضلون والجهاديون الجدد تزيف الحقيقة